المجتمع العربي ورهان المعرفة

بقلم الدكتور عبد الحق العُمَري جامعي باحث في مجال اللسانيات

تعتبر المعرفة في المجتمعات المعاصرة من المحددات الجوهرية للإنتاجية والتنافسية، كما تبرز أهميتها باعتبارها رأسمالا رمزيا في عصرنا الحديث. ولمقاربة هذا الموضوع، أُعَرف، في الفقرة الأولى، مجتمع المعرفة، ثم أبرز في الفقرة الثانية السمات والخصائص التي تجعل مجتمعا معينا يُوسم بمجتمع المعرفة، وأستخلص في الختام موقعنا، نحن المغاربة بصفة خاصة والعرب بصفة عامة، من مجتمع المعرفة.

يُحَدّد مجتمعُ المعرفة، وفق تقرير التنمية الإنسانية العربية الصادر سنة ( 2003) ضمن منشورات الأمم المتحدة، في كل مجتمع يُسهم في إنتاج المعرفة وتطويرها، والاستفادة منها وحسن استعمالها وتوظيفها. وهو المجتمع الذي تتشكل مقوماته وأسسه من نشر العلم والمعرفة وإنتاجها، وتوظيفها بكفاءة عالية في المجالات الاجتماعية. إن مجتمع المعرفة هو ذلك المجتمع الذي يحقق الرقي الاجتماعي والتنمية الانسانية. والجدير بالذكر أن تقدم الشعوب في العالم يقاس بمعيار إنتاج المعرفة وتحديثها وتراكمها. أضف إلى ذلك، أن المعرفة أصبحت مجالا للتنافس بين الدول والمجتمعات المتقدمة، التي تتسابق فيما بينها على اكتساب مصادر القوة والهيبة والتفوق الحضاري.

ويُوسَمُ مجتمع المعرفة بوجود مستوى عال من التعليم، ونمو متزايد في قوة العمل التي تملك المعرفة وتستطيع معالجتها، والقدرة على الإنتاج باستخدام الذكاء الاصطناعي، ووجود مراكز للبحوث قادرة على إنتاج المعرفة والاستفادة من الخبرات المتراكمة، وتوفير المناخ الثقافي، واستعمال الحاسوب و الانترنيت ومختلف الوسائل التكنولوجية في إنتاج المعرفة ودعمها، وتراكم الأبحاث العلمية باستمرار، وكثرة الإبداعات في مختلف المجالات.

وإذا تأملنا كل خاصية من خصائص مجتمع المعرفة، وأمعنا النظر فيها من جهة، وأمعنا النظر في وضعية المجتمع المغربي بشكل خاص، والمجتمع العربي بشكل عام، من جهة أخرى، أمكننا القول إن الجهد مازال شاقا والمسار مازال طويلا من أجل أن توصف مجتمعاتنا بمجتمع المعرفة، وذلك للاعتبارات التالية: فتعليمنا تعليم يقبع في الدرجات السفلى كما توضح تقارير الخبراء. و يشهد بذلك القاصي والداني، ولا حاجة إلى تأكيد تدهور أحوال المدرسة والجامعة المغربيتين رغم وجود استثناءات تستحق التنويه والشكر. أما مراكز البحوث فلا أقول منعدمة، ولكنها غير كافية لتحقيق نهضة علمية تذكرنا بالزمن الجميل، زمن ابن خلدون وابن طفيل وابن سينا. وأما استعمال الحاسوب والانترنيت فلم يغير من واقعنا المر شيئا كثيرا، لأنه استخدم في مسائل سلبية أدت إلى انحلال أخلاقي وتفكك أسري. ولم يوظف الانترنيت توظيفا فعالا يخرجنا من عتمة الجهل إلى النور. أما الإبداعات فيمكن الحديث عن حضورها فنيا وغيابها علميا كما أكد ذلك أدونيس الذي يشير، في بيان الحداثة، في معرض حديثه عن الحداثة: ليس في المجتمع العربي حداثة علمية، وحداثة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية هامشية، لم تلامس البنى العميقة، ذلك أن الحداثة العربية حضرت في الغناء والتمثيل والشعر والأدب، وغابت في العلم والابتكار والاختراع. وأرى أن الموارد المالية وحدها لا تكفي لجعل مجتمع معين يصنف ضمن مجتمع المعرفة، نظرا لكون مقياس تقدم الشعوب يعتمد على إنتاج البحوث العلمية والمعرفية، واستخدام الذكاء الاصطناعي، والاستفادة من التراكمات الثقافية. وهذه الخصائص غير متوفرة ، في حدود علمي، في مجتمعاتنا.

إن الرقي بالمجتمع المغربي خاصة والعربي عامة وجعلهما يرقيان إلى المراكز المتقدمة رهين بالاهتمام بالبحث العلمي والتنمية، والاعتماد الفعال على الحاسوب، والأنترنيت، والقدرة التنافسية، في مجال إنتاج المعرفة على مستوى العالم، على اعتبار أن الاقتصاد القوي مرتبط بالمعرفة القوية والبحث الرصين. والمعرفة مصدر قوة تتفوق على مصادر القوة التقليدية، فصارت تتفوق على قوة الأرض وقوة المال، وأصبح الحديث عن المعرفة مقترنا بالقوة، بل ان الاقتصاد الحديث يعرف بالاقتصاد المعرفي الذي يعتمد على المعرفة باعتبارها ركيزة أساسية تحدد صورته وهويته وفلسفته. فما العمل من أجل تجاوز هذه الصعوبات وتحقيق الطموحات؟

إن معرفة الداء تسهل الوصول إلى الدواء والعلاج، ولذلك أقول: يتطلب مجتمعنا العربي، إذن، إرادة حقيقية ورغبة أكيدة تتجسد في توفير إمكانات خاصة ومعاهد ومؤسسات خاصة، فضلا عن ميزانية ضخمة للبحث العلمي تناسب وأهمية البحث العلمي وقيمته. كما يتطلب تشجيع الباحثين والدكاترة الباحثين لتحقيق نهضة فكرية وعلمية وثقافية تليق بمقامنا في خريطة العالم. وأرى أن العناية والاهتمام بالبحث العلمي رهين بتحفيز الباحثين، وتشجيع المبدعين، ودعم المهتمين بالبحث العلمي لتقليص الفارق والهوة التي تفصلنا عن المجتمع المعرفي.


Comments are closed