اللغة وسؤال الهوية

بقلم الدكتور عبد العالي العامري

استاذ بجامعة محمد الخامس

يعد مفهوم الهوية من القضايا والخطابات المتداولة في الجدال الفكري الإنساني اليوم، إذ لا تخلو ثقافة من الثقافات المكونة للنسيج الإنساني على وجه الأرض من سؤال الهوية في ظل تنامي مظاهر العولمة الثقافية التي ضيقت كثيرا على خصوصيات المحلية، ومع تصاعد نداءات الحفاظ على التنوع الثقافي وصونه عالميا.

ولهذا، فالمخاطر التي باتت تهدد الهوية العربية الآن، نجد العولمة الثقافية والاستعمار اللغوي والثقافي وأزمة العنصر الداخلي.

العولمة الثقافية

هناك ثقافات حضارات كبرى مثل الألمانية والفرنسية والإيطالية، أصبحت تفقد وظائفها الثقافية تدريجيا، لفائدة عولمة ثقافية متوحشة، لكون العولمة الثقافية لها مضمون سلبي على المستوى الثقافي، ونقصد بالعولمة الثقافية الثقافة الأمريكية والإنجليزية التي بسطت نفوذها في جميع المجالات المعرفية والحيوية، كما فرضت قوتها على جميع دول العالم بدون استثناء، وأمام هذه العولمة الثقافية في البلاد العربية أصبح الأمر يهدد نمو العربية الفصحى ونمائها، وكذا الهوية العربية . ولابد من الإشارة إلى كون أزمة اللغة العربية هي أزمة عولمة واستعمار ثقافي ولغوي.

الاستعمار اللغوي والثقافي

إن أزمة اللغة والهوية العربية هي أزمة استعمار لغوي وثقافي، ونقصد بالاستعمار اللغوي والثقافي في البلاد العربية الثقافة الفرانكفونية والأنجلوساكسونية، أي اللغة والثقافة الفرنسية والإنجليزية التي تعد غنيمة حرب واستعمار أجنبي على الدول العربية. لأن هناك أمم انقرضت بكاملها عندما اجتاحها الاستعمار اللغوي والثقافي كما حدث في أستراليا ونيوزيلندا كمثالين نموذجين على ذلك، ومثلما انقرضت لغات وثقافات الهنود الحمر، وكيف كافح أبناء إقليم الكبيك في كندا من أجل الحفاظ على لغتهم وثقافتهم الفرنسية بغية الحفاظ على هويتهم.

نعيش اليوم في عالم من الصراع اللغوي، تنتصر فيه لغات وتنهزم لغات أخرى ومع هذه الهزيمة تغيب ثقافات وهويات .

وقد أشارت دراسة لمنظمة اليونسكو، صدرت سنة 2009 إلى أن العالم يضم أكثر من 6 آلاف لغة ، لكن معظمها سيختفي، مشيرة الى أن 97 % من سكان العالم يتكلمون 4 % فقط من هذه اللغات، في حين أن 96 % من هذه اللغات لا يتكلمها سوى 3 % من سكان هذه الأرض.

والجدير بالذكر، أن هيمنة اللغة الإنجليزية في دول الخليج نتيجة العولمة الاقتصادية والمصالح الأجنبية في هذه الدول، كما عملت بعض الدول الغربية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا على إحداث مؤسسات ثقافية وتربوية تدرس فيها جميع المواد باللغة الأجنبية، وهذا الأمر يساهم في تأزم وضع اللغة والهوية العربية في منطقة الخليج.

أزمة العنصر الداخلي

تتمثل أزمة العنصر الداخلي في الإنسان العربي، هذا العنصر الذي يعاني من ظاهرة الفطم اللغوي، وبذلك يعد ضحية الثقافة الفرنكوفونية والأنجلوساكسونية، وبالتالي، لا يقدر على المقاومة، أي ليس له إرادة، وهذا هو مشكل الإنسان العربي، لا يتحمل المسؤولية، ولا ينهض، ودائما يحمل المسؤولية للآخر.

حلول إجرائية

لتصدي لهذه المخاطر، يتطلب الأمر الدفاع عن الهوية وكسر حدة الانبهار بالغرب، ومقاومة قوة جدبه، والقضاء على أسطورة الثقافة العالمية، ويفضي هذا إلى قدرة الأنا على الإبداع والتفاعل.

وتجب الإشارة، إلى أن معالم الهوية تغيرت في ظل الربيع العربي، حيث تغيرت نظرة الغرب اتجاه صورة الدول العربية التي كانت تنظر إليها باعتبارها دول النفط والتطرف والهجرة السرية، بل أصبحت تنظر إليها باعتبارها دول لها قيم الحرية والثورة والكرامة والعدالة الاجتماعية.

والواقع أن حديثنا عن خطاب الهوية الثقافي في فكرنا العربي الحديث والمعاصر ارتبط غالبا بالماضي أكثر من الحاضر والمستقبل، باعتبار القديم تراثا قيما، لكن الهوية الثقافية هي التي تظل قادرة على الانفتاح والتطور والتفاعل والاغتناء والعطاء. أما رفع شعار الحفاظ على الهوية الثقافية بالتقوقع وبغلق الأبواب والنوافذ خوفا عليها، فهو من أنجح السبل لإصابتها بالشلل والعقم الدائم.


Comments are closed